بعض المقالات القانونية التي نشرت في الصحف المحلية
الاعتراف.. ليس سيد الأدلة!
بقلم : المحامي خالد الشطي
رغم القاعدة الأصولية التي تقرر أن الاعتراف سيد الادلة، فإن تلك القاعدة ليست على اطلاقها، إذ ان الاعتراف يكون سيد الأدلة متى كان المتهم قد أدلى به وهو في كامل وعيه وإرادته، فإذا انعدمت ارادته بطل اعترافه، واذا كان في غير كامل وعيه بطل اعترافه أيضا.
إن اساس ذلك ما ارسته أحكام المحاكم النهائية والباتة من انه ينبغي في الاعتراف لكي يكون صحيحا يمكن الاستناد إليه كدليل في الحكم ان يكون المتهم قد أدلى به وهو في كامل ارادته ووعيه فلا يجوز الاستناد الى الاعتراف الذي يصدر من المتهم في حالة فقدان الارادة كما لو كان قد ادلی به تحت تهدید مثل تشريد أسرته او خطف طفله او اغتصاب احد من اهله او المساس بجزء من جسده او هتك عرضه إلى آخر الشواهد التي ترغمه وتدفعه الى الاعتراف . رغم ارادته. كذلك لا يجوز الاستناد إلى الاعتراف الذي يصدر عن المتهم في حالة فقدان وعيه كما لو كان تحت تأثير مخدر او مسكر يسلبه وعيه فيهذي بما لا يعيه سواء كان تعاطى تلك المواد اختيارا منه، أو كرها عنه، او دس له من دون علمه، ذلك أن الاعتراف هو سلوك انساني، والقاعدة انه لا يعتبر سلوكا إلا ما كان يجد مصدرا في الارادة والوعي، لذلك كان الدفع ببطلان الاعتراف لصدوره وليد ارادة منعدمة أو غير واعية مثل الحالات السالف ذكرها هو دفاع جوهري من شأنه أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، ويجب على المحكمة تنصيصا تحقيقه بلوغا لغاية الأمر فيه، ولها في ذلك .الاستعانة بأهل الخبرة الفنية الطب الشرعي، حتى ولو لم يطلب المتهم تلك، إذ لا يقدح في هذا أن يسكت المتهم والمدافع عنه عن طلب دعوة اهل الخبرة صراحة، فإذا اغفلت المحكمة ذلك وعولت في الادانة على اعتراف المتهم كان حكمها باطلا وكذلك الحال اذا اطرحت هذا الدفع برد غير كاف او سائغ صدر حكمها باطلا ايضا، ومن ثم فلا يجوز أن نطلق بأن الاعتراف سيد الادلة .
ولا يغيب عن الحسبان في هذا المجال أن نقرر أن المتهم اذا ما اعترف بارتكابه جريمة ما، وكان هذا الاعتراف يخالف ماديات الدعوى والادلة فيها، لا يعول عليه اذ من المقرر أنه لا تصح ادانة متهم بجريمة ولو بناء على اعترافه بلسانه أو بكتابة متى كان مخالفا للحقيقة، ومن ثم فالاعتراف مع ادلة الدعوى ويسايرها.
وأخيراً، فإن الاعتراف لكي يكون سيد الادلة لا بد من أن يصدر بكامل إرادة المتهم وكامل وعيه، فضلا عن انه يجب أن يكون نصاً في اقتراف الجريمة، وأن يكون من الصراحة والوضوح بحيث لا يحتمل تأويلاً.
ثلاثة اركان لثبوت جريمة خيانة الأمانة
بقلم : المحامي خالد الشطي
قال المحامي خالد الشطي ان الفقه عرّف جريمة خيانة الأمانة بانها استيلاء شخص على منقول بحوزة اخر بناء على عقد حدده القانون وذلك عن طريق خيانة الثقة التي أودعها فيه بمقتضى العقد بتحويله صفته من حائز لحساب مالكه الى مدع ملكيته.
وذكر أن المادة (240/1) من قانون الجزاء نصت على جريمة خيانة الأمانة بقولها: (كل من حاز مالاً مملوكاً لغيره بناء على وديعة او ايجار او رهن ورده عينا أو باستعماله في أمر معين لمصلحة مالكه او اي شخص آخر وتقديم حساب عن هذا الاستعمال أو بناء على نص قانوني او حكم قضائي يلزمه بذلك فاستولى عليه لنفسه او تصرف لحسابه أو تعمد اتلافه يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تجاوز ثلاثة آلاف روبية أو باحدى هاتين العقوبتين.
ومن ذلك نستلهم أن جريمة خيانة الأمانة تفترض أن المنقول قد سلّم الى المتهم تسليماً نقل اليه حيازته الناقصة وذلك بناء على أحد العقود التي حددها القانون أو اي عقد اخر وهي عقود تفترض ثقة من سلّم المنقول فمن تسلمه، فهو يحوزه نيابة عنه ولحسابه وعليه أن يرد عيناً أو ما يماثله في بعض الحالات ولكنه يستغل وجوده في حيازته فيدعيه لنفسه جاحداً بذلك من تسلمه منه وخائنا بذلك للثقة التي وضعها فيه ويقوم الركن المادي الجريمة خيانة الأمانة بفعل يكشف عن ارادة المتهم تحويل صفته على الشيء من امين عليه لحساب صاحب الحق الى مغتصب لملكيته وقد عبّر الشارع عن هذا الفعل بانه (اختلاس او استعمال أو تبديد).
وعن سؤاله هل تختلف السرقة عن خيانة الامانة قال الشطي اذا كانت جريمة السرقة والنصب يمكن ان يرتكبها أي شخص فإن خيانة الأمانة لا يتصور أن يرتكبها غير شخص مرتبط بصاحب الحق على الشيء (بعلاقة تعاقدية) حسبما حدد القانون.
وعلى هذا النحو فإن جريمة خيانة الأمانة تتدرج بين (جرائم ذوي الصفة الخاصة) وتطبيقاً لذلك لا يعد الشخص فاعلاً لجريمة خيانة الأمانة ما لم يرتبط بالمجني عليه بالعلاقة السابقة.
وقال الشطي ان اركان جريمة خيانة الأمانة تكون من ثلاثة هي:
1- الموضوع وهو المال الذي يسلّم إلى المتهم تسليماً ناقلاً للحيازة الناقصة بناء على أحد العقود.
2 – ركن مادي قوامه احد الافعال التي حددها القانون.
3 – ركن معنوي وهو القصد الجنائي الذي يفترض نية المتهم أن يسلك ازاء الشيء مسلك المالك.
وقد قضت محكمة النقض المصرية بان لا يصح ادانة المتهم بجريمة خيانة الأمانة الا اذا اقتنع القاضي بانه تسلم المال بعقد من عقود الامانة والعبرة في القول بثبات قيام عقد من هذه العقود في صدد توقيع العقاب انما هي بالواقع اذ لا يصح تأثيم انسان ولو بناء على اعترافه بلسانه او كتابته متى كان ذلك مخالفاً للحقيقة.
وذكر خالد الشطي أن جريمة خيانة الامانة لا تقوم الا اذا كان تسليم المال قد تم بناء على عقد من عقود الائتمان… والعبرة في قيام عقد من هذه العقود هو بحقيقة الواقع.
المخدرات لذة عابرة وفضيحة مستمرة
بقلم : المحامي خالد الشطي
الميول الغريزية للانسان لا بد أن تخضع لمراقبة تامة وقيادة صحيحة وان يتم اشباعها في الوقت المناسب وفق برامج ارشادية منتظمة يضعها مربون أكفاء، هو الميل الى الترفيه عن النفس فعادة ما يلجا الانسان الى الترفيه والترويح عن النفس ويقضي أوقات فراغه بما يفرحه ويسليه ليتحرر ولو بشكل مؤقت من قيود الروتين ويمضي عدة ساعات من النشاط والحيوية دون أن يشعر بأية مسؤولية، وكل ذلك بهدف ازالة تعب العمل اليومي والابتعاد عن الآداب العامة والتقاليد الاجتماعية.
والانسان الذي يمضي في مثل هذه الظروف الحرجة وراء اشباع شهواته وتحقيق اللذات وينقاد لاهوائه النفسية دونما حدود في سبيل اشباع غريزة الترفيه لا بد وأن يحصد نتائج سلبية وهو يواجه احيانا آلاماً ومصائب لا تحمد عقباها. وفي هذا المضمون يقول الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ” من فعل ما شاء لقي ما ساء”.
لا تتورط بالمخدرات… كلها مصائب وويلات ومع الاسف الشديد بعض الشباب سلكوا طرقا خاطئة في اشباع غريزة الترفيه وانحرفوا عن جادة الخير والصواب، حيث اتبع هؤلاء اهواءهم النفسية بهدف نيل اللذات العابرة، واقدموا خلال ساعات فراغهم على انواع خطيرة وسيئة واقترفوا الذنوب الكبيرة والجنايات المخزية من التسلية تحت شعار الترفيه، وطبّعوا انفسهم على العادات الضارة جالبين لانفسهم التعاسة والشقاء.
ومن أنواع الترفيه الضار.. الترفيه السراب.. هو تعاطي المخدرات. فالشباب يجهلون الاعراض الخطيرة جدا جراء تعاطيهم تلك المواد المخدرة. والانسان العاقل لا يمكن أن يورط نفسه بمصائب وويلات كبيرة وآلام مستمرة من أجل لذة عابرة، يقول الامام علي بن ابي طالب عليه السلام في هذا الشان ” لا تقوم حلاوة اللذة بمرارة الآفات”.
المقبرة أو السجن .. العار أو الفضيحة.. الاختيار لك: فما أكثر الشباب الذين اضاعوا شخصيتهم الانسانية وهددوا فضائلهم الاخلاقية بسبب تعاطي المخدرات، فأصبحوا أذلاء منحطين… وأمست أيديهم ملطخة بعار الجريمة والسرقة، وأخيراً قضوا وهم في أشد حالات البؤس والشقاء وما أكثر أولئك الذين فرطوا بشبابهم وحياتهم من أجل المخدرات وحُرِموا من سلامة العقل والجسم وأصيبوا بأعراض جسيمة وأمراض نفسية، وانتهى بهم الأمر إلى دار المجانين حيث هُدرت كرامتهم وذهبت اعمارهم ادراج الرياح، فعندما تقف عند اشارة المرور الضوئية تجد مصيرهم اذا نظرت إلى اليمين فالى مقبرة الصليبخات، واذا نظرت إلى اليسار فالى السجن المركزي، واذا اردت اخي الشاب فعلا ان تبقى في مأمن من أسر الادمان الضار وعدم الوقوع في شراك المخدرات.. ينبغي عليك ان تحذر من صحبة ومجالسة المدمنين عليها .. وعليك ايضا ان تنتبه لنفسك كي لا تتغلب عليها لذة المخدرات المزعومة.. وتذكّر دائما أن هذه اللذة العابرة الزائلة تترك وراءها فضيحة مستمرة ترافقك مدى الحياة.. وهل تساوي مثل هذه اللذة العابرة فضيحة تلازمك طوال عمرك؟ يقول الامام علي عليه السلام: “عار الفضيحة يُكَدّر حلاوة اللذة”.
إن المخدرات تدنس سمعتك وتشوه كرامة عائلتك وتصل بك إلى مستنقع الضياع وتهدم بيديك صرح سعادتك.
الجنون.. من موانع المسؤولية الجزائية
بقلم : المحامي خالد الشطي
حدد القانون حالات موانع المسؤولية وأولها الجنون، فقد نصت المادة ٢٢ من قانون الجزاء على “لا يُسأل جزائياً من يكون وقت ارتكاب الفعل، عاجزا عن ادراك طبيعته او صفته غير المشروعة، أو عاجزا عن توجيه ارادته بسبب مرض عقلی او نقص في نموه الذهني او اية حالة عقلية أخرى غير طبيعية”.
فقد اعتبرت القوانين جميعا ان الجنون وعاهة العقل من الاسباب التي تؤثر في أهلية الشخص فتنفيها وذلك بتأثيرها على القدرة على الادراك او الاختيار وبالتالي لا يكون أهلاً لتحمل المسؤولية الجنائية.
وامتناع المسؤولية الجنائية على المجنون أو المصاب بعاهة في عقله يتطلب توافر ثلاثة شروط هي:
1 – توافر الجنون أو عاهة العقل لدى الفاعل.
2- وان يؤدي ذلك الى فقد الشعور (التمييز) أو الاختيار.
3- وان يكون فقد الشعور أو الاختيار معاصرا لارتكاب الجريمة.
فالجنون والمرض العقلي والعاهات العقلية تتماثل في نظر قانون الجزاء ما دامت تؤدي الى افقاد الادراك او الارادة لدى الفاعل، والجنون في مدلوله العام يتسع ليشمل كل اختلال يصيب القوى العقلية على نحو يفقد الفرد وعيه وادراكه ويدخل في الجنون كذلك كل الامراض العصبية كالصرع.
أما بالنسبة لفقد الشعور والاختيار فالواقع ان المشكلة ليست في توافر الجنون في مفهومه الضيق او الواسع أو في الدلالة الطبية.. وانما العبرة تكون بما يترتب على أي من الجنون او عاهة العقل من فقد الشعور والاختيار وقت العمل.. وتقدير تأثير شرط الحالة المرضية على شعور المصاب بها او اختياره متروك لمحكمة الموضوع التي تستعين بالخبراء لتحديد ما اذا كانت الاصابات بالجنون أو العاهة العقلية تؤدي الى فقد الشعور او الاختيار من عدمه.
أما الشرط الثالث والمتعلق بمعاصرة الجنون أو عاهة العقل لارتكاب الجريمة، فالثابت ان الفقه والقضاء قد استقر على انه لا يكفي لانعدام الاهلية وبالتالي المسؤولية الجنائية ان يكون مرتكب الفعل مجنونا وانما يلزم ان تكون حالة الجنون قد احدثت اثرها في الادراك والاختيار وقت ارتكاب الجريمة ولا فقدها بعد ارتكابها لان لحظة ارتكاب الجريمة هي التي يتطلب فيها القانون توافر الادارك والاختيار باعتبار ان كلاًّ منهما شرط لازم للتحمل بالمسؤولية الجنائية.
ومن أجل ذلك كانت العبرة في تقدير فقدان الشعور والاختيار لتقدير مسؤولية المتهم الجنائية هي بما تكون عليه حالته وقت ارتكاب الجريمة.
